يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
272
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
فقلت : من أنت ؟ فقال : أنا عكاف بن رويبة أبوت عشرة وأخوت عشرة ، كنت مقنعا للمهمة ومفزعا للملمة ، فانباق عليّ الدهر بكلكله متحيفا إخوتي واحدا فواحدا ، حتى أساف رجاليه وأباد ماليه ، فقرع مراحي وفنيت أوضاحي ، وملكتني السنون وحذفتني بالمذلة العيون ، فرحم اللّه من أعان أخا جهد وشصاصاء وحاجة لأواء ، نعشكم اللّه بإسباغ الرزق واصطناع المعروف ، وإذا هو أبو عون الأعرابي . وفسره الخطابي قال : قوله : انباق عليّ الدهر بكلكله ، أي وطئني بثقله وأصابني بمكروهه وأصله من البوق ، ويقال : باقته بائقة ، إذا نزلت به نازلة شديدة ، ويقال : إن أصل البوق كثرة المطر . وقوله : متحيفا إخوتي ، أي متتبعا لهم يأتيهم من نواحيهم فيهلكهم ، وأصله من الحافة وهي الناحية ، يقال : حافة الوادي ، أي ناحيته ، وقد يكون التحوّف من الحيف أيضا . وقوله : قرع مراحي ، أي صفر وخلا من الغنم . قلت : وسيأتي تفسير هذا الحوف إن شاء اللّه ، والأوضاح جمع الوضح وهي الدراهم الصحاح ، والوضح حلي من فضة يجمع على الأوضاح . وقوله : ملكتني السنون ، أي جهدتني . قلت : وسيأتي هذا في باب الكاف إن شاء اللّه . وقوله : حذفتني بالمذلة العيون ، أي رمتني أبصار الناظرين بالذل ، وتقدّم كرعت الماشية ، وجاء منه في الحديث من طريق ابن عمر قال : مررنا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم على برك فجعلنا نكرع ، فقال : لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم فاشربوا منها ، فإنه ليس من إناء أطيب من اليد . خرّجه ابن أبي شيبة ، والحديث معتل من قبل الإسناد ، والصحيح ما خرّجه البخاري عن جابر بن عبد اللّه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم دخل على رجل من الأنصار ومعه صاحب له ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : إن كان عندك ماء بات هذه الليلة في شنه وإلا كرعنا . قال والرجل يحوّل الماء في حائطه ، الحديث . وقد سألت بعض أشياخي عن الكرع فقال : هو مشتق من الأكارع التي للدواب ، كأنه يدخل الرجل في الماء برجليه ويشرب بفيه كما تفعل الدابة ذات الأكارع ، واللّه أعلم . وقد جاء في الحديث الأوّل النهي عن ذلك وإن كان الحديث معلولا فترك ذلك أسلم ، واللّه أعلم . وقد يلام الفتى في الشيء يصنعه * وليس يلحقه لوم إذا تركه وهذا البيت لي من شعر مطوّل إن أردته انظره في التكميل . وتقدّم أن العرب تسمي الجدّ أبا وكذلك العم ، وشاهد ذلك قوله تعالى : نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [ البقرة : 133 ] فبدأ بإبراهيم وهو الجدّ وثنّى بإسماعيل وهو العم لأنه كان أسنّ من إسحاق . وكذلك قال يوسف عليه